"السياسه الدفاعيه البريطانيه في منطقه الخليج العربي 1945-1971م"

مني سحيم حمد آل ثاني عين شمس البنات التاريخ رســالة دكتــوراه 2002

تتناول هذه الدراسة سياسة الدفاع البريطانية في منطقة الخليج العربي في الفترة المؤرخة بنهاية الحرب العالمية الثانية وحتى حصول العديد من دول الخليج على إستقلالها في أعقاب الإنسحاب البريطاني من الخليج العربي ، وقد حددت تواريخ البدء والإنتهاء في هذه الرسالة بدقة متناهية ، ذلك أن الواقع السياسي والدولي الذي تمخض عن الحرب الثانية الدولية قد شمل ضمن مقتضياته متغيرات جذرية وعميقة ليس فقط في المنطقة وإنما في وضع بريطانيا العام ، فضلاً عن تواجدها الذي أضحى محكوكاً عليه بالإخفاق في أماكن تواجدها الإمبريالي ، وتمثل إستراتيجية الدفاع البريطانية أخر محاولات بريطانيا للتشبث والبقاء والإمسلاك بتلابيب أمجادهة وفخارها ، ولم تدرك بعد أن حتمية التطور الحضاري قد آتت برياح غير التي تشتهي ، فالولايات المتحدة الأمريكية التي كانت قد تضخمت من جراء العزلة الطويلة ، وضاقت ذرعاً ، قد قررت الخروج الأخير عن مثل هذه السياسة ، وإعتزمت المشاركة بفاعلية في القرارات الدولية ، فكان الصدام مع بريطانيا حتمياً ، ومن ثم فقد شهدت الحركة السياسية في المنطقة في أعقاب الحرب العالمية الثانية نماذجاً من التفاعل والإئتلافات والصراعات بين بريطانيا والقوى السياسية المحلية ، والأمريكيين ، في محاولة من كل طرف لتحقيق تصوراته المستقبلية .

كان الوجود البريطاني في منطقة الخليج قد أخذ في بدايته طابعاً تجارياً بمقتضى شركة الهند الشرقية الهولندية في العام 1600م ثم أستلزم مثل هذا الوجود التجاري المتزايد مع الوقت ضرورة التعرف على طبيعة هذه البلدان ، وهي الفكرة التي أفضت إلى ما عرف بنظام "" الوكالة التجارية البريطانية "" التي تنقلت ما بين البصرة إلى الكويت وخور مشهر ، وغيرها من المؤاني في منطقة الخليج ، وقد إستلزم مثل هذا الوجود التجاري بعض العلاقات الدبلوماسية المحدودة التي تطورت مع الوقت إلى أن وصلت إلى نظام المقيم والوكيل ، والإدارة البريطانية في الهند ، فضلاً عن إدارة وحكومة لندن ، وكان يعيب مثل هذا النظام الإداري المتداخل والشديد التعقيد تضارب القرارات وتناقصها ، فيما كانت الحرب العالمية الثانية بنتائجها المروعة قد جعلت بريطانيا تخرج منها وهي تتساوى تقريباً مع الدول الخاسرة فيها وإنبرت الولايات المتحدة الأمريكية للدفاع عن الغرب ومصالحها في الشرق الأوسط بعد أن دأبت على تكريس مصالحها الخاصة أولاً من الناحية الإقتصادية والسياسية واللوجوستية ولعل هذا ما دفع الحكومات البريطانية المختلفة إلى الإنخراط بزخم شديد في دراسات وتقييمات مطولة إزاء الوضع البريطاني المتدهور في الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج على نحو خاص ، وبرزت حاجة بريطانيا إلى الدفاع أولاً حتى يتسنى لها معالجة أوضاعها هذه إن هي قررت البقاء في المنطقة وعدم التخلي عن هذا الإرث الحضاري الكبير وكانت سياسة الدفاع البريطانية هي محصلة مثل هذا التوجه ، وقد أخذت هذه الإستراتيجية أبعاداً مختلفة بعضها واقعي عملي على أرض الواقع لجهة كيفية التعامل مع الأزمات ، وحجم التواجد العسكري المطلوب ، وبعضها أيديولوجي يتصل بالتنسيق مع واشنطن حيال الأحلاف والحصر والإحتواء ومنع التغلغل الشيوعي من أن ينجح في مساعدة ومؤازرة الشعوب المستعمرة والطواقة للتحرر والإستقلال ، وبين هذين التصورين كانت تدور مقترحات الدفاع البريطاني ولكن مع بداية العام 1965م بدأت الإدارات البريطانية تدرك جيداً أنه لا مفر من الإقدام بجرأة تاريخية على إتخاذ قرار غير تقليدي ، ولكنه يتفق وطبيعة الأمور وصعوبتها ، وهو الإنسحاب من منطقة الخليج العربي وترك الساحة للولايات المتحدة التي تسيطر فعلياً على أرض الواقع ، وأتخذ مثل هذا القرار في العام 1968م على أن يكون الإنسحاب بحلول العام 1971م .

ولعل هذه الدراسة تكتسب أهميتها من تفردها بمحاولة قراءة ودراسة وتحليل أخر تصورات الوجود البريطاني التليد ، كما تراعي في الوقت ذاته كيف برزت دبلوماسية المصالح وتغليبها على ما عداها عندما لم تكترس الولايات المتحدة الأمريكية لحال الضعف والتردي والتدهور البريطاني ، كما لم تحاول تقديم حلولاً لمشكلاتها وإنما دفعت بالأمور في إتجاه إتخاذ مثل هذا القرار الهام ."


انشء في: سبت 15 ديسمبر 2012 09:23
Category:
مشاركة عبر